عبد القادر الجيلاني
74
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
وهي حالة الأبدال المنكسري القلوب لأجله الموحدين العارفين أرباب العلوم والعقل السادة الأمراء الشحن خفراء الخلق خلفاء الرحمن وأخلائه وأعيانه وأحبائه عليهم السلام . فاتباع الأمر فيها بمخالفتك إياك بالتبري من الحول والقوة . وأن لا يكون لك إرادة وهمة في شيء البتة دنيا وعقبى . فتكون عبد الملك لا عبد الملك وعبد الأمر لا عبد الهوى . كالطفل مع الظئر . والميت الغسيل مع الغاسل ، والمريض المقلوب على جنبيه بين يدي الطبيب فيما سوى الأمر والنهي ، واللّه أعلم . المقالة الحادية عشرة في الشهوة قال رضي اللّه تعالى عنه وأرضاه : وإذا ألقيت عليك شهوة النكاح في حالة الفقر وعجزت عن مؤنته فصبرت عنه منتظر الفرج من الباري عزّ وجلّ ، إما بزوالها وإقلاعها عنك بقدرته التي ألقاها عليك وأوجدها فيك فيعينك أو يصونك وحيويتك عن حمل مؤنتها أيضا أو بإيصالها إليك موهبة مهنئا مكفيا من غير ثقل في الدنيا ولا تعب في العقبى ، وسماك اللّه عزّ وجلّ صابرا شاكرا لصبرك عنها راضيا بقسمته فزادك عصمة وقوة . فإن كانت قسما لك ساقها إليك مكفيا مهنئا فينقلب الصبر شكرا ، وهو عزّ وجلّ وعد الشاكرين بالزيادة في العطاء . قال عزّ وجلّ : لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ [ إبراهيم : الآية 7 ] . وإن لم تكن قسما لك فالغنى عنها بقلعها من القلب إن شاءت النفس أو أبت ، فلازم الصبر وخالف الهوى وعانق الأمر وارض بالقضاء ، وارج بذلك الفضل والعطاء ، وقد قال اللّه تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزّمر : الآية 10 ] . المقالة الثانية عشرة في النهي عن حبّ المال قال رضي اللّه عنه وأرضاه : إذا أعطاك اللّه عزّ وجلّ مالا فاشتغلت به عن طاعتك حجبك به عنه دنيا وأخرى ، وربما سلبك إياه وغيرك وأفقرك لاشتغالك بالنعمة عن المنعم ، وإن اشتغلت بطاعته عن المال جعله لك موهبة ولم ينقص منه حبة واحدة وكان المال خادمك وأنت خادم المولى ، فتعيش في الدنيا مدللا وفي العقبى مكرما مطيبا في جنة المأوى مع الصديقين والشهداء والصالحين .